Yaser

الفنان البحريني ياسر ناصر في حوار صريح: أنا من أشد المناصرين للمرأة والإنسانية

لا يمكنك أن تتعامل مع هذا الإنسان دون أن تكتشف أنه فنان من الدرجة الأولى، ليس لأنه ممثل، ومخرج مسرحي وتلفزيوني، ولا لأنه مؤسس ونائب رئيس مسرح جلجامش البحريني فحسب، بل لأنه يمتاز بموهبة ناصعة لا تقبل ازدواجية المشاعر والمعايير أمام القضايا الإنسانية والمواقف الحاسمة، وثقافة تؤهل خطواته الفنية لمستقبل واعد بإنجازات فنية تستحق أن يخلدها تاريخ الفن البحريني والخليجي بين أكثر صفحاته تألقا.. لأجل هذه السيرة الإبداعية المضيئة اقتربت “خليجسك” من الفنان البحريني “ياسر ناصر” الذي كان سخياً  مع قرّائها بهذا الحوار الجريء.

خليجسك: عشاق الفن، وخصوصاً المسرح، أدرك يمتلكون خيالاً واسعاً، ورغبة شاسعة في نقل العالم الجميل النابض بالحياة من مخيلاتهم إلى الواقع كي يعيشه الناس ولو لفترة زمنية قصيرة. ما هي معالم عالمك الداخلي الذي ترغب بجعل جمهورك يراه عبر فنّك؟ ما هو شكله؟ ما الفكرة الأم الكبرى التي تعتبر إيصالها هدفاً بحد ذاته؟

ياسر ناصر: إن عالمي الداخلي عالم مجنون متمرد على كل الأعراف والقوانين، حيث أنني لا اؤمن بالنظريات بمفهومها المطلق، أعترف بها واحترمها ولكن ليس بالضرورة اتباعها بحذافيرها. القانون الوحيد والدستور الذي لا أعارضه وأتبعه هو القرآن الكريم، أما ما عداه فلي وجهة نظر فيه وهو مكان للنقاش، وأنا من خلال هذا العالم أرغب في إيصال فكرة واحدة وهي “الإنسانية”.

خليجسك: من يجلس أمام مسرحية من إبداعك الإخراجي والسينوغرافي لا بد وأن يتملكه إحساس خرافي بالتحليق خارج الواقع، والانفصال عنه تماماً للدخول في صلب العمل الفني، هل هذه الأجواء الاستثنائيّة إخراجياً وسينوغرافياً جزءاً من مخطط فني موجه للاستيلاء على أحاسيس المُشاهد؟ ام أنها تأتي عفواً، وليدة موهبة وعشق فني فقط؟

ياسر ناصر: واقعاً وعند اشتغالي على أي عمل فني أركز وبالدرجة الأولى على خلق مناخ وعالم يساعدني على إيصال فكرتي وموضوعي للمتلقي كما أشاء أنا أن يراها، مع ترك مساحة من التفكير ومناطق اختلاف لنتصادم في بعض الافكار والرؤى التي لا تكون محسومة لدي.

خليجسك: “لكُلٍ منا وحش ينام بداخله، المُهم ألآ يستيقظ”، ما مدى إيمانك بهذه العبارة التي جاءت على لسان شخصيّة البطلة في مسرحيّة “خلف الأبواب” التي سبق وأخرجتها؟

ياسر ناصر: مؤمن بها مائة بالمائة ، إنها النفس البشرية التي تتأثر بالمتغيرات التي تحيطها والأحداث التي تقع عليها فتختلف هذه النفس من بشر الى آخر، بحسب التربية والإيمان والإدراك يكون تحرك الوحش الذي بدواخلها، فمن المحتمل أن نرى وحشاً أليفا في إحدى النفوس لكنه يظل وحشاً.

خليجسك: بعد المأساة التي تعرّضت لها بطلة تلك المسرحيّة، اعترفت أنها لا تعتبر “الطارق المجهول” ابنها، بل تعتبره وحشاً مثل أبيه، لأنها لم يكُن لها الخيار في حمله وإنجابه.. ثمّ أكملت معترفة بأنها “تريده أن يتعفن، وتشم رائحة الموت من جثته شهوراً قادمة، ويصبح عطرها المُفضل”. هذا المشهد من المسرحيّة أبهرني نصاً، وتمثيلاً، وإخراجاً. من جانبٍ آخر، أعلم أن الفن لا يُسأل بـ “كيف”، لكن هل تستطيع إجابتي لو سألتك: كيف استطعتم حشد كل هذا الإحساس الواقعي الذي يصعب أن تدرك مداه إلا امرأة؟

ياسر ناصر: إن الألم والمأساة لا يفرقان بين امراة أو رجل سواء كان صغيراً أم كبيراً، إن تلقينا لبعض المأسي يعكس مدى إحساسنا بالالم ليأتي دورنا كفانين في ترجمة هذا الألم، وتختلف هذه الترجمة بقدر ما يمتلكه الفنان من إحساس وتعاطف مع المأساة المطروحة.

خليجسك: وهل أنت من المهتمين بقضايا المرأة عموماً، والخليجيّة خصوصاً، إنسانياً وفنياً؟

ياسر ناصر: أنا من أشد المناصرين للمرأة، وربما أكون متعصباً لها حتى على حساب الرجل أحيانا! لا لشيء سوى إيماني بأن المرأة كائنة خلقت للعطاء، وهي أساس الحياة. يكفي أنها هي من تنجب الرجال، وانا مهتم بقضايا المرأة عامة ولم يخطر ببالي أن أركز على قضايا المراة العربية أو الخليجية أو حتى بنت بلدي دون غيرها.

خليجسك: لنعد إلى المسرح مجدداً ونقول: فكرة تأسيس مسرح “جلجامش” في عصرٍ يغص بالعوامل المُنافسة كالسينما والتلفزيون والإنترنت، ألم يخطُر لك من قبل أنه أشبه بمُغامرة مجهولة المصير؟

ياسر ناصر: مع وجود كل أنواع الفن يظل المسرح أبا لهذه الفنون. وإيماننا بهذه الواقع هو من يدفعنا للتمسك بالمسرح الذي يظل متنفساً لكل البشر رغم انحسار متلقيه ومتابعيه، وذلك لكونه مباشراً في طرح الفكرة التي المتلقي في حينها دون مونتاج ولا تعديل صورة ولا تجميل.

خليجسك: ولماذا اخترتم اسم “جلجامش” بالذات؟ لصالح أبعاد تاريخيّة أم فنيّة؟

ياسر ناصر: جلجامس هو أقدم نص أدبي كتب في التأريخ وارتبط اسمه بهذه الارض، وبما أن ميولناً في مسرح جلجامش تنصب على الأعمال الملحمية والبحث في تاريخ هذه الارض، فقد دفعنا هذا الميول للاقتران باسم “جلجامش” الذي سميت البحرين بأرض الخلود نسبة إليه.

خليجسك: النص المسرحي العربي، والنص المُترجم، أيّهما يستفز شهيّتك الفنيّة لإخراجه أكثر؟

ياسر ناصر: فكرة النص -بالدرجة الأولى- هي التي تستفزني للتصدي لأي عمل أنوي القيام به.

خليجسك: نبتعد قليلاً عن المسرح لنقترب أكثر من المسلسلات، البرامج، ولجان التحكيم الفنيّة التي شاركت فيها، والتي نعتبرها تجارب رائعة لا سيّما وأنها تمت في أكثر من بلد خليجي.. هلآ حدّثتنا عنها؟

ياسر ناصر: لو تحدثنا عن كل واحد من هذه المجالات بتفصيل لاحتجنا إلى كتب كاملة لتحتويه، فكل مجال عالم بحد ذاته ولكني سألخص كل مجال بإيجاز شديد. يمكننا القول أن “المسلسلات” عالم يختلف كل الإختلاف عن المسرح؛ ولهذا أحببت خوض هذه التجربة. فكما تعلمين أن المسرح يعتمد على المبالغة احيانا في ايصال الفكرة او الحركة لطبيعة بعد المسافة بين الممثل والمتلقي عكس التلفزيون الذي يعتمد على القرب الكبير بين الممثل والكاميرا الناقلة لهذا الاحساس فيتم اختزال الحركات لأقصى حد، أما من الناحية الإخراجية فهو تحدٍ آخر يجعل من المخرج هو الشخص المتحكم في ربط كل العناصر الفنية في موقع التصوير و ترجمتها ثم جمعها في غرفة المونتاج في نهاية المطاف. أما “البرامج” فلها جوها الخاص وهي تعتمد على مدى ثقافتك ووعيك بموضوع البرنامج سواء كانت فنية أو وثائقية أو رياضية أو أي مجال اخر، وبالنسبة لي فإنني أبحث كثيراً قبل التصدي لأي برنامج أنوي إخراجه أو يسند إلي إخراجه. بينما أعتبر لجان التحكيم خلاصة لتجارب عديدة تتيح للمحكم تقييم التجارب والاعمال، وتأتي الصعوبة في لجان التحكيم مع أعضاء اللجنة -التي غالباً ما يتم اختيار أعضائها من تخصصات مختلفة- وهي إقناع هم بوجة نظرك المتخصصة والاقتناع بوجهات النظر الأخرى في التخصص الآخر ليتم التوافق على وجهة نظر مشتركة من تخصصات مختلفة بكل حيادية وموضوعية في نهاية المطاف.

خليجسك: من المُلاحظ أن معظم وسائل الإعلام الخليجي المرئي والمسموع والمقروء تتحيّز لتلميع أشخاص قد يكون بعضهم دخيلاً على الوسط الفني، وقد يكون بعضهم الآخر شبع من الشهرة حتى صار اسمه مُستهلكاً، دون الالتفات إلى مواهب أخرى مُجتهدة ومثقفة تستحق أن تجد مكانها في هذا الإطار. ما رأيك؟ وكيف احوال الإعلام معك؟

ياسر ناصر: واقعا اعلامنا العربي عامة والخليجي خاصة تحكمه العلاقات والمعارف والمصالح اولا ليأتي الفن والكفاءة تالياً، ومن واقع تجربة شخصية وجدت هذه النظرية واضحة وجلية عندما نتقدم إلى القنوات الفضائية بأي عمل تلفزيوني درامي يكون السؤال الأول هو: “من الممثلين؟” قبل أي عنصر فني آخر، ويباع العمل ويسوق حتى قبل أن يكتب أصلا فقط لوجود اسم فلان أو فلانة في هذا العمل!

خليجسك: ذات أمسية فنيّة للمُخرج التلفزيوني “محمد القفاص” في مركز عبد الرّحمن كانو الثقافي، أشار إلى أن من الصعب على الفنان البحريني أن يكون نجماً بسبب عدم توفر المناخ الفني والإعلامي المُلائم. هل تتفق مع هذه الرؤية؟ وكيف تفسر لنا النجومية الكبيرة التي حظيت بها الفنانة البحرينية زينب العسكري قبل أن تعتزل؟

ياسر ناصر: قديماً هناك مثل بحريني معروف “عذاري تسقي البعيد وتخلي القريب” لأن عين عذاري -التي كانت من أشهر العيون في البحرين قديما- كانت تقدم النصيب الأكبر من سقايتها للأماكن الابعد عن محيطها بسبب تخطيط جداولها التي تتفرع منها، فكذلك هو الحال بالنسبة للإعلام البحريني فهو لا يصنع نجماً بحرينياً ولكنه مستعد لتلميع وإبراز أي شخصية فنية من الخارج، أما نجومية العسكري أو أي ممثلة بحرينية معتمداً على نشاطهن الخارجي فهن لمعن خارج الوطن وبدعم من الدول المجاورة، وباعتقادي أنه يرجع السبب لعدم نجومية البحريني هو احتكار التلفزيون الرسمي للانتاج الدرامي لسنوات وعدم وجود قنوات خاصة عزز هذا المعنى، فمع القنوات الخاصة بدء النجوم يلمعون في سماء الفن، بعد أن كانت حكراً على وجوه فرضت علينا فرضاً فهي هي ذاتها في كل الأعمال والبرامج رغم ضعف الامكانيات الفنية عند بعضهم.

خليجسك: من المؤسف تفشي ظاهرة استغلال الفنانين، لا سيّما ذوي الشخصيّات التي يدفعها رقيّها وخجلها للترفع عن المُطالبة بحقوقها، هل تعرّضت لذلك في بداياتك؟ وهل ما زلت تواجه تلك المُشكلة بعد مرور أعوام من خبرتك الفنيّة؟

ياسر ناصر: بالفعل من المؤسف ابتلاء المجال الفني بسماسرة وتجار شنطة لا يفقهون أبجديات التعامل الفني وكيفية تقدير الفن والفنانين، ليصبحوا منتجين! وما يضاعف الشعور بالأسف أنهم يدخلون هذا المجال بمساعدة من فنانين ومحسوبين على المجال ذاته! وباعتقادي أنه لم يسلم احد من تحايل هؤلاء المتطفلين.

خليجسك: يقول الكاتب المسرحي محمد الماجد: “لكي تتجانس مع قوانين هذا العالم؛ فما عليك إلا أن تذهب إلى أقرب صيدليّة وتطلب من صاحبها أن يبيعك دواء اسمه: الغباء”، من الصعب على الفنان مرهف الحس تحمّل المجتمع المحيط بكل تصرفاته غير المتفهمة غالباً، هل يحدث لك هذا؟

ياسر ناصر: لا أتفق مع الماجد في رأيه هنا، فأنا أعتقد أن الفنان والمثقف هما اللذان يبيعان أدوية الوعي ولا يشتريان أدوية الغباء، إذ من واجب الفنان توعية المحيط وبث الافكار والقيم والوعي بكل اشكاله سواء كان اجتماعياً او سياسياً او ثقافياً او فنياً. فالفنان هو لسان الشارع وفكره يجسده على خشبة المسرح وأمام العدسة ومن خلال اللوحة أو الكتاب. وعني أنا شخصياً احاول جاهداً بث عقاقير الوعي البسيطة التي أمتلكها أينما تواجدت.

- خليجسك: ما هو تعريفك الإنساني الشخصي للمفردات الآتية:

*الفن: غذاء الروح.

*الذوق الفني: مظهر الفنان.

*الثقافة: سلاح يسمو بالروح ويجابه الجهل.

*الوطن: يصعب وصفه بالكلمات.

*الحب: سر الحياة.

*المرأة: هي الجمال بكل معانية.

*المصالح: ضرورة أحاول الاستغناء عنها.

*جلجامش: أسطورة إنسانية.

*الطموح: فضاء متسع لا حدود له.

حاورته/ زينب علي البحراني.

zainabahrabi@gmail.com




There are no comments

Add yours